
نشر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية تقريرا صحفيا يرصد تداخل الحسابات الانتخابية الصهيونية مع التصعيد في قطاع غزة والضفة الغربية، ويرجّح سيناريو التصعيد المحدود والمُدار، حيث قال المركز في تقريره: "في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/أكتوبر المقبل، يتزايد الضغط السياسي على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وسط مؤشرات انتخابية لا تبدو في صالحه، بالتوازي مع استمرار محاكمته في قضايا فساد وتصاعد الخلافات بين المستوى السياسي والمؤسسة العسكرية".
وفي هذا السياق، أصدر المركز الفلسطيني للدراسات السياسية ورقة تقدير موقف جديدة بعنوان: "مساعي نتنياهو الحثيثة لفتح جبهة جديدة: الهروب من استحقاق الانتخابات بين السيناريو والواقع"، تقدم قراءة تحليلية لمسار الأحداث داخل الكيان الصهيوني، وتبحث في احتمالات توظيف ملفات قطاع غزة والضفة الغربية في محاولة للتأثير على المشهد الانتخابي أو إعادة تشكيله.
وتشير الورقة إلى أن استطلاعات الرأي العبرية المتعاقبة خلال الأشهر الأخيرة تكشف اتجاهاً عاماً نحو تراجع قوة الليكود والائتلاف الحاكم، مقابل صعود حزب يشار بقيادة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، ووفق المعطيات التي تستعرضها الدراسة، لم تقترب كتلة الائتلاف في الاستطلاعات الأخيرة من عتبة الـ 61 مقعداً اللازمة لتشكيل الحكومة، فيما برز يشار بوصفه أكبر كتلة منفردة في عدد من الاستطلاعات.
وترى الدراسة أن هذا التراجع الانتخابي، إلى جانب استمرار محاكمة نتنياهو في قضايا الفساد، يضع نتنياهو أمام استحقاق بالغ الحساسية، خصوصاً أن خسارة السلطة قد تفتح الباب أمام تغيرات سياسية وقضائية تتجاوز مجرد الانتقال الحكومي.
قطاع غزة والضفة الغربية.. ساحتا اختبار للحسابات السياسية الصهيونية
وتتوقف الورقة عند تصاعد الخطاب الصهيوني بشأن إطلاق الطائرات الورقية والبالونات والطائرات المسيّرة من قطاع غزة، معتبرة أن تضخيم هذا الملف، في توقيت يتزامن مع مسار تفاوضي لوقف إطلاق النار، يطرح تساؤلات حول مدى ارتباط التصعيد بالحسابات السياسية الداخلية الصهيونية.
كما تتناول الدراسة الدفع الصهيوني باتجاه توسيع العمليات العسكرية في مخيمات الضفة الغربية، وتكشف عن خلافات داخل المؤسسة الصهيونية نفسها بشأن جدوى هذا الخيار، وصولاً إلى الصدام العلني بين وزير الجيش الصهيوني يسرائيل كاتس وقيادة الجيش على خلفية محاولة إقالة قائد المنطقة الوسطى، حيث تعتبر الورقة أن هذه الخلافات تكشف عن متغير مهم في المعادلة الصهيونية، يتمثل في أن المؤسسة العسكرية لم تعد تبدو مستعدة بالدرجة نفسها لتحويل كل قرار سياسي إلى مغامرة عسكرية، الأمر الذي قد يضيّق هامش المناورة أمام نتنياهو إذا كان يسعى إلى توظيف التصعيد لأغراض انتخابية.
هل يستطيع نتنياهو تأجيل الانتخابات؟
وتطرح الدراسة واحدة من أكثر الفرضيات حساسية، وهي إمكانية استخدام تصعيد أمني واسع ذريعة لتأجيل الانتخابات، مستحضرة سوابق تاريخية صهيونية ارتبط فيها تأجيل الانتخابات بظروف الحرب، لكن المركز الفلسطيني للدراسات السياسية لا يتعامل مع هذا الاحتمال باعتباره سيناريو حتمي، بل يخضعه لاختبار المعطيات السياسية والعسكرية القائمة، وفي مقدمتها موقف المؤسسة العسكرية، ومسار التهدئة في قطاع غزة، والقدرة الفعلية لحكومة نتنياهو على إنتاج ظرف أمني يبرر مثل هذا الإجراء خلال الفترة المتبقية قبل الاقتراع.
وتقدم الورقة في هذا السياق ثلاثة سيناريوهات رئيسية: تصعيد محدود ومُدار، وصدام مؤسسي متصاعد بين الحكومة والجيش الصهيونيين، وعملية عسكرية واسعة قد تفتح الباب نظرياً أمام تأجيل الانتخابات، وبناءً على قراءة مجمل المعطيات، ترجّح الدراسة السيناريو الأول، أي استمرار التهديدات والتصعيدات المحدودة والعمليات النوعية دون الانزلاق، في المدى القصير، إلى حرب واسعة أو احتلال مخيم جديد في الضفة، مع إبقاء احتمال تغير المسار قائماً في حال حدوث تطور أمني مفاجئ.
قراءة فلسطينية للمشهد الصهيوني
وتكتسب ورقة المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أهميتها من محاولتها قراءة التحولات داخل الكيان الصهيوني ليس باعتبارها شأناً داخلياً منفصلاً، وإنما بوصفها عاملاً مؤثراً بصورة مباشرة في مستقبل غزة والضفة الغربية، وفي احتمالات التصعيد والتهدئة خلال المرحلة المقبلة، كما تتميز الدراسة بعدم الاكتفاء بفرضية الهروب إلى الأمام لتفسير سلوك نتنياهو، إذ تعرض مجموعة من التفسيرات البديلة، من بينها ضغوط شركائه الأيديولوجيين في الائتلاف، وتراجع قدرة المستوى السياسي على فرض خياراته على المؤسسة العسكرية.
ويؤكد المركز الفلسطيني للدراسات السياسية من خلال هذه الدراسة مواصلة اهتمامه بتفكيك التحولات السياسية والأمنية داخل الكيان الصهيوني، وتقديم تقديرات فلسطينية تستند إلى متابعة المعطيات الصهيونية وتحليلها، بما يساعد الباحثين وصنّاع القرار والإعلاميين على فهم الاتجاهات التي قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة.
وتخلص الورقة إلى أن نتنياهو يقف أمام معادلة شديدة التعقيد: انتخابات تقترب، استطلاعات لا تمنحه الأغلبية، محاكمة فساد مستمرة، ومؤسسة عسكرية تُظهر استعداداً متزايداً لمقاومة بعض خيارات المستوى السياسي، وبينما قد يدفعه ذلك إلى البحث عن جبهة جديدة، فإن القدرة على تحويل التصعيد إلى مخرج انتخابي فعلي تبقى رهناً بمعادلات سياسية وعسكرية وميدانية لا يملك نتنياهو السيطرة الكاملة عليها.








