
شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية والقدس خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية تصعيداً خطيراً وغير مسبوق في وتيرة اعتداءات المستوطنين التي جرت تحت حماية مباشرة وفرتها قوات جيش الاحتلال.
وتأتي هذه الموجة الجديدة من الهجمات في إطار مخطط متكامل وممنهج يهدف إلى التضييق على المواطنين الفلسطينيين ودفعهم نحو الهجرة القسرية لتسهيل السيطرة على الأرض وشرعنة المزيد من البؤر الاستيطانية الرعوية والزراعية، لا سيما في المناطق المصنفة "ج".
وقد تميزت اعتداءات الساعات الأخيرة بالتنوع والشمولية الجغرافية، حيث طالت منشآت تعليمية وبيوت مأهولة ومساحات شجرية وأماكن مقدسة، محققة أرقاماً قياسية في عدد الانتهاكات المتزامنة.
تدنيس الأقصى ومساعي التقسيم المكاني والزماني
وفي مقدمة هذا المشهد التصعيدي، اقتحم أكثر من أربعمئة مستوطن وسائح باحات المسجد الأقصى المبارك يوم الخميس بحماية مشددة من قوات الاحتلال التي فرضت في المقابل قيوداً صارمة على دخول المصلين الفلسطينيين واحتجزت هوياتهم عند البوابات الخارجية.
وتندرج هذه الاقتحامات الواسعة ضمن استراتيجية الاحتلال الرامية إلى فرض واقع التقسيم الزماني والمكاني وتغيير الوضع القانوني والتاريخي القائم في الحرم القدسي الشريف، مستغلة المناسبات المختلفة لتكثيف الوجود اليهودي داخل باحات الأقصى وأداء الطقوس التلمودية الاستفزازية لإفراغ المسجد من هويته الإسلامية الخالصة.
استهداف ممنهج للهوية الجغرافية والتعليمية في نابلس
ولم تكن نابلس بمنأى عن هذا الاستهداف، بل كانت المسرح الأكثر دموية وعنفاً للمستوطنين وقوات الاحتلال الذين أقدموا على خطوة بالغة الخطورة تمثلت بهدم مبنى مدرسة يانون الأساسية المختلطة في خربة يانون التابعة لبلدة عقربا جنوب شرق المدينة، وذلك بعد أشهر قليلة من نجاح الاحتلال في تهجير سكان الخربة قسراً تحت وطأة الترهيب والاعتداءات المتواصلة.
ولم يكتفِ المستوطنون بالهدم، بل أقدموا على إزالة اللافتة التي تحمل اسم بلدة عقربا والمثبتة على الشارع الرئيسي بالقرب من المدخل الرئيس للبلدة في سلوك يهدف إلى محو المعالم العربية الفلسطينية وتزييف الوعي الجغرافي للمنطقة.
وفي إطار فرض السيادة الرمزية والاستفزاز، تسلل مستوطنون ليرفعوا علم الاحتلال على قمة جبل عيبال المطل على مدينة نابلس، بالتزامن مع نصب كرفانات استيطانية جديدة بأراضي "قماص" الواقعة بين بلديتي أوصرين وبيتا لتهيئة التربة لإقامة بؤرة استيطانية جديدة تقطع التواصل الجغرافي بين البلدات الفلسطينية.
ولم تتوقف العربدة عند هذا الحد، بل اقتحم المستوطنون منطقتي النصارية والباذان شمال شرقي نابلس بذريعة تنظيم مسارات استيطانية سياحية.
وشهدت قرية قريوت جنوب المدينة هجوماً همجياً استهدف محيط منازل المواطنين حيث رُفعت أعلام الاحتلال الاستفزازية، وترافق ذلك مع مهاجمة مزرعة في أطراف القرية وإحراق ممتلكات للمواطنين فيها بشكل همجي ومتعمد.
تنكيل وإصابات واستيلاء على المنازل في الخليل ورام الله
أما في جنوب الضفة الغربية وتحديداً في منطقة مسافر يطا بمحافظة الخليل، فقد أصيب سبعة مواطنين فلسطينيين بجروح ورضوض مختلفة من بينهم أربع نساء وطفلان ومسن، إثر اعتداء وحشي شنه المستوطنون على عائلة فنون في منطقة حوارة بمسافر يطا تطلب نقلهم على الفور لتلقي العلاج الطبي.
وفي الخربة المجاورة المعروفة بأم الخير بمسافر يطا، استولى المستوطنون بقوة السلاح والترهيب على نصف منزل عائلة سالم الهذالين في خطوة تمهيدية لطرد العائلة بالكامل والسيطرة على الأراضي المحيطة بالمنطقة لحساب المستوطنات الجاثمة على أراضي المواطنين هناك.
وفي رام الله، لم تكن الأوضاع أقل وطأة حيث أصيب عدد من المواطنين الفلسطينيين بينهم نساء بجروح متفاوتة جراء اعتداء عنيف شنه المستوطنون على التجمع البدوي القريب من قرية الطيبة شرقي المدينة.
كما شنت مجموعات استيطانية هجوماً مباغتاً على قرية دير جرير المجاورة واعتدت على الأهالي وممتلكاتهم وحطمت زجاج عدد من المنازل والمركبات الفلسطينية المتوقفة أمام البيوت.
وفي سياق التمدد الاستيطاني وسرقة العقارات، استولى مستوطنون على منزل قائم وأقاموا بؤرة استيطانية جديدة في بلدة عطارة شمال رام الله، واقتحموا محيط معصرة الزيتون بالقرب من مفرق المزرعة الشرقية لتأمين حركتهم الاستفزازية.
وتعرض مواطن فلسطيني في منطقة الخلة الواقعة بين بلدتي ترمسعيا وأبو فلاح للاعتداء بالضرب المبرح وسرقة مركبته الخاصة من قبل مستوطنين مسلحين.
اقتلاع وتهجير قسري في جنين وسلفيت
وفي شمال الضفة الغربية، تجلت أبشع صور التهجير القسري في بلدة يعبد جنوبي جنين، حيث أقدمت قوات الاحتلال والمستوطنون على طرد أهالي تجمع خربة اسعيد من منازلهم قسراً وتشريدهم منها تحت تهديد السلاح ومصادرة مقومات حياتهم الأساسية لدفعهم لعدم العودة مطلقاً إلى المنطقة.
وفي سلفيت تواصلت الحرب على الشجر والأرض لإفراغ المنطقة من رموز صمودها الاقتصادي، إذ قام مستوطنون بقطع عدد كبير من أشجار الزيتون المعمرة في منطقة خلة الحرامية ببلدة دير بلوط غرب المحافظة، بالتزامن مع اقتحام أراضي المواطنين وتخريبها في بلدة كفر الديك المجاورة لضرب القطاع الزراعي الذي يشكل شريان الحياة للعائلات الفلسطينية هناك.
أدوات الاستيطان الرعوي والضم الزاحف
يرى مراقبون ومحللون لشؤون الاستيطان أن طبيعة هذه الهجمات الممتدة من أقصى شمال الضفة إلى أقصى جنوبها لا تخرج عن كونها سياسة تسمى بـ "الضم الزاحف والناعم للضفة الغربية".
ويعتمد الاحتلال على تبادل الأدوار بين جيشه النظامي وعصابات المستوطنين المسلحة لتنفيذ مخططات التهجير الصامت والتطهير العرقي بحق التجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية في المناطق المصنفة "ج".
ويؤكد متابعون أن تدمير المدارس كما حدث في مدرسة يانون، والاستيلاء على المنازل، واقتلاع الأشجار، وحرق الممتلكات والسيارات، ليست مجرد ردود فعل عشوائية بل هي تكتيكات إرهابية مدروسة وممولة تهدف لفرض بيئة طاردة للفلسطينيين تجعل بقاءهم في أرضهم ضرباً من المحال، مما يستوجب تحركاً دولياً وقانونياً عاجلاً لوقف هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها.








